الشيخ محسن الأراكي
14
نظرية الحكم في الإسلام
الفرق بين المفهومين و « الأمّة » بمعناها الأوّل هي التي نقصدها في هذا البحث ؛ فالمقصود بالأمّة التي تبحث عن دورها في السلطة : مجموعة من الناس ذات وطن واحد ومصالح مشتركة ، تتوصّل إلى تحقيقها من خلال سلطة وقيادة سياسية موحّدة . وأمّا « الأمّة » بمعناها الثاني ؛ فإنّها الهدف الذي تسعى رسالات الأنبياء إلى تكوينه وتحقيقه على أساس من القيم العليا ، والأمّة بهذا المعنى تتميّز عن الأمّة بمعناها العام في أمرين أساسيين الأوّل : أنّ العنصر البشري الذي تتكوّن منه الأمّة - بهذا المعنى - قد لا يتمثّل إلّا في إنسان واحد ؛ تتجسّد فيه القيم التي يؤمن بها فيكون هو « الأمّة » ، وقد جاء في القرآن الكريم وصف النبي إبراهيم على نبيّنا وآله وعليه السلام بأنّه « أمّة » ، قال سبحانه وتعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 1 » . فلا دخل للكمّ البشري في بلورة مفهوم « الأمّة » حسب هذا المعنى ، وإنّما الدور الأساس في ذلك للعنصر الكيفي ، المتمثّل في تجسيد « الإنسان الأمّة » للقيم التي يؤمن بها تجسيدا عمليا كاملا ، وذلك خلافا للأمّة بمفهومها العامّ ؛ فإنّ للعنصر الكمّي دورا أساسيا في تكوينه ، وقد يكون للعنصر الكيفي دور لا يستهان به في تكوينه أيضا ؛ غير أنّه ليس العنصر الوحيد الأساس في تكوين الأمّة بحسب هذا المفهوم . الثاني : أنّ إمامة « الأمّة » - بحسب مفهومها الخاصّ - حالة حقيقية واقعية ، وليس أمرا اعتباريا يدور مدار الوضع والاعتبار ، ولذلك فإنّها تجري وفقا لسنّة كونية إلهية
--> ( 1 ) . سورة النحل : 120 - 121 .